24 ديسمبر 2005

 

 

 

هل حقا كان نجاح الإخوان في الانتخابات مفاجأة؟

عادل جندي

 

 

قيل الكثير عن صفقة الحزب الحاكم مع الإخوان بهدف فتح الباب مواربا وإدخالهم بصورة لا تهدده بالخطر مع استخدامهم كفزاعة لتخويف الجميع بالداخل والخارج من أن البديل للحزب الحاكم هو أسوأ. وقيل الكثير عن القدرات التنظيمية للإخوان وتغلغلهم، وما فعلوه استعدادا لهذه الانتخابات؛ وعن التصويت الاحتجاجي للكثير من الناخبين عقابا للحزب الوطني الخ الخ.

قد يكون كل هذا صحيحا. لكنه لا يمثل سوى جزءا من الصورة.

 

(1)

في لقاء بين مسئول مصري رفيع المستوى وحفنة من المصريين، تم في مكتب السفير المصري بباريس في نهاية شهر أبريل 2001، أثير موضوع "أسلمة المجتمع" والجرعة الدينية الهائلة التي يبثها الإعلام الحكومي المرئي والمقروء والمسموع، والتي وصلت لما يفوق درجة التشبع. ولم ينكر المسئول الكبير الأمر، بل أكده وبرره بأن الدولة "كانت تسعى لسحب البساط من تحت أرجل الإسلاميين عن طريق المزايدة عليهم.. ولكنها بدأت تدرك أن الأمر قد زاد عن الحد، وخصوصا بعد القضاء على موجات العنف التي كانت تقوم بها الجماعات". وطمأن الحضور "بأن تغييرا تدريجيا، وإن كان واضحا، سيبدأ على الفور".

بالطبع لم يحدث شئ من التغيير، إن لم يكن في اتجاه المزيد من الأسلمة. فالموضوع، في رأيينا، لم يكن مجرد رد فعل وقتي للإسلاميين.

في مقال نشر في يونيو 2001 قلنا أن نظام الحكم في مصر كان قد أصبح مع نهاية الأربعينيات من القرن الماضي ثمرة متعفنة على وشك السقوط بين أيدي الإخوان الذين كانوا يستعدون للقفز إلى الحكم، وقلنا أن ثورة يوليو أجلت هذا الحلم لنصف قرن تغيرت فيه موازين كثيرة؛ لكن الحلم لم يتغير.

كان الحلم قد تجمد أثناء سنوات حكم عبد الناصر الذي انشغل بأمور كثيرة في الخارج والداخل؛ ومن بينها عملية "التحول الاشتراكي" التي استمرت خلال الستينيات.

ثم أعيد إحياء الحلم مع مجيء السادات الذي بدأ بإطلاق الإخوان وكافة الجماعات الإسلامية من قمقمها، ثم شرع في عملية "التحول الإسلامي الكبير". كانت خطوة البداية هي النص حول مباديء الشريعة "مصدرا رئيسيا" في دستور 1971 (وذلك قبل أن يفكر آية الله الخوميني في القيام بانقلابه الإسلامي!)؛ ثم إضافة الألف واللام في تعديل مايو 1980. وجاء النص في المادة الثانية ليجعله بمثابة مرجعية عامة حاكمة، تُفَسر باقي مواد نفس الدستور طبقا لها.

هذا التعديل وفر الأساس الدستوري والقانوني والسياسي والمزاجي لكي يسير التحول الإسلامي بطريقة لا يمكن لأحد أن يقاومها. وكان شعار "أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة" من بين "العلامات على الطريق".

 

(2)

لن نتوقف كثيرا عند أشكال تعليب المجتمع وصبه في قوالب دينية سابقة التجهيز، أو عند مظاهر الهلوسة الدينية التي أصبحت من الأمور المعتادة في مصر؛ والتي نورد منها عينات على سبيل التندر:

ـ تعبير "سلامو عليكو" الذي حل محل "آلو" في التليفون أو محل صباح (أو مساء) الخير أو الفل أو الهنا أو القشدة أو السعد أو الجمال، التي اشتهر بها المصريون في سابق العصر والأوان.

ـ بعد أن أصبح الحجاب هو الزي القومي المعتاد لحريم مصر، صار من الضروري ممارسة المزيد من "الحرية الشخصية" وإظهار التقوى الحقيقية عن طريق ارتداء النقاب. ولو شاء ربك أن يعود للحياة قاسم أمين أو هدى شعراوي ونزلا لأحد شوارع القاهرة  بغرض معرفة ما جرى لدعوة تحرير المرأة، لسقط قاسم ميتا بالسكتة الدماغية، ولربما انتهى الأمر بأن تفجر هدى نفسها بحزام ناسف.

ـ  لو شاء حظك العاثر أن تذهب لأحد المصالح الحكومية، فلن تفاجأ بالطبع إذا لاحظت أن السويعات التي يقضيها الموظفون في مكاتبهم (وهي الأقل في العالم) يمضون أغلبها في أداء الفروض الدينية مثل الصلوات التي تتم في كل مكان بما في ذلك الممرات (ويؤمهم فيها، بالطبع، رؤساء العمل) والتي تسبقها استعدادات القبقبة والبلبطة المائية.

ـ دعاء وعثاء السفر الذي يُبث قبل إقلاع كافة طائرات مصر للطيران، ويختم بعبارة "وإنا إليه لمنقلبون" التي لا توحي ـ صوتيا على الأقل ـ بالتفاؤل عند السفر. (ولكن مصر للطيران تستعد لحدوث مكروه، لاقدر الله، عن طريق منع السواح الكفرة من تناول الكحول حتى لا يدخلوا جهنم ـ وبئس المصير ـ وهم في حالة انسطال).

ـ بث الأشرطة الدينية بدون توقف في سيارات التاكسي والحافلات امتد إلى المحلات التجارية كبديل "للخلفية الموسيقية". أما عربات "المترو" فقد تحولت إلى منابر وعنابر للدعوة والهداية.

ـ الخ الخ الخ

 

(3)

إن كان لنا أن نفحص بشيء من التدقيق واحدا من العلامات الكثيرة "للتحول الإسلامي الكبير" الذي جرى في مصر، فليكن هذا عن طريق إلقاء نظرة على المؤسسة الدينية:

ـ كان في مصر مع بداية القرن العشرين خمسة معاهد‏ دينية، عدد طلابها لا يزيد علي ثلاثة آلاف. تضاعف عددها ألف وربعمائة مرة ليصبح اليوم سبعه آلاف معهد (أي مرة ونصف عدد القرى والمدن)؛ بها مليون ونصف مليون طالب، أي بزيادة خمسمائه ضعف. (راجع سلسلة مقالات لفضيلة الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية ـ الأهرام  أغسطس 2005). ومع أخذ زيادة السكان في الاعتبار، يكون عدد الطلاب قد تضاعف بنسبة مائة مرة، خلال القرن، وبنسبة ثلاثين مرة خلال الثلاثين عاما الماضية وحدها. [لاحظ أننا نتكلم هنا عن أعداد الطلبة ولن نتطرق إلى ما يتم تلقينهم إياه... فهذا موضوع آخر تماما. لاحظ أيضا أن معدل الدخل القومي للفرد في مصر لم يزد (بالأسعار الثابتة) إلا قليلا خلال ربع قرن، وأن ترتيب مصر الحالي هو 105 بين 162 دولة في "مُعامل التنمية" و 119 في القراءة والكتابة، إذ مازالت الأمية تصل إلى 45%].

ـ جامعه الازهرأصبح بها أربعمائةألف طالب‏، وعدد أساتذتها سبعة آلاف وكلياتها نحو سبعين كلية موزعة على أنحاء مصر. أي أنها أصبحت ليس فقط أكبر جامعات مصر بل من أكبر جامعات الدنيا،‏ وهي "أكبر من أعظم الجامعات في العالم مثل هارفارد بامريكا، وكمبردج ببريطانيا،‏ وطوكيو باليابان‏" (من مقال د. على جمعة). وبالطبع فهذه الجامعة مقصور دخولها على "المؤمنين"، ولا يمكن للكفار دخولها، حتى في كليات الطب والهندسة الخ، إلا إذا كانوا من "حافظي القرآن بأكمله"..

ـ مما سبق يتضح أن إجمالي الطلبة، بكافة المراحل، هو مليون و900 ألف؛ أي 24 ضعفا لعددهم في تركيا التي تقارب مصر في عدد السكان.

ـ  مصر بها حوالي 120 ألف مسجد (إضافة لمئات الألوف من الزاويا والمصليات)؛ من بينها، كما أشار وزير الأوقاف في يونيو الماضي، ‏92‏ ألف مسجد تحت إشراف وزارته التي كانت تخطط لضم ‏2500‏ مسجد أهلي هذا العام "توفر‏عشرةآلاف فرصه عمل للأئمة والدعاة الجدد، بالإضافه إلي‏ مائتي زاوية توفر مائتي‏ فرصه عمل". وكما أوضح الوزير، فإن ميزانية إحلال وتجديد وفرش المساجد هذا العام هي مائتا مليون جنيه، وميزانية إنشاء مساجد جديدة هي ‏105‏ ملايين جنيه، وذلك إضافة إلى الإنفاق على مرتبات وإدارة وصيانة كافة المساجد التابعة لها.

ـ لو قمنا، من باب التسلية، بحسبة صغيرة لوجدنا ما يقدر بمائة ألف مدرس وموظف في التعليم الديني بمراحله المختلفة، وما يقدر باربعمائة ألف ممن يعملون في المساجد؛ أي بإجمالي نصف مليون موظف. أضف إليهم أعداد الطلاب لتكتشف أن حوالي مليونين ونصف مليون يكرسون حياتهم للدين دراسة وتعليما ووعظا. وإذا أخذنا في الاعتبار أسر العاملين، لاكتشفنا أن حوالي 8% من مسلمي مصر يعيشون مع، وحول، وعلى الدين!

ـ لا يمكن، حتى من باب التسلية، عمل تقدير دقيق لحجم الإنفاق الديني على التعليم وإنشاء وإدارة دور العبادة والحج والعمرة؛ لكن لا شك أنه يزيد عن مجموع الإعانات الخارجية التي تحصل عليها مصر من أمريكا والاتحاد الأوروبي...

ـ لا يكتفي رئيس الجمهورية في مصر بتوزيع الجوائز (شخصيا) على الفائزين في المسابقات السنوية لحفظ القرآن من مصر، بل على الفائزين من كافة أنحاء  العالم (هل تقمصت مصر دور دولة الخلافة؟؟). وقد استُحدِثت هذا العام "جائزة مبارك للدراسات الإسلامية"، وقيمتها مائة ألف جنيه. والأعجب من هذا وذاك أنه يمنح جائزة "للمحافظة الأولي علي مستوي الجمهوريه في الاهتمام بالقران الكريم ونشر مراكز تحفيظه علي مستوي القري‏ والنجوع‏‏ والمناطق النائيه بمنحها مبلغ مائة ألف جنيه يتسلمه المحافظ‏". هذا في الوقت الذي لا توجد بمصر جوائز للمحافظات الأكثر نظافة أو الأكثر جهدا في مجال محو الأمية أو الأكثر جذبا للاستثمارات أو الأقل ضوضاء أو الأقل في عدد ضحايا حوادث الطرق الخ!

ـ يصدر عن دار الإفتاء في مصر مايقرب من مليون فتوى سنويا (كما قال فضيلة مفتي الديار)، ناهيك عن أضعاف ذلك لمن يستفتون بصورة شخصية رجال الدين بالقرب منهم. ولا اعتراض لأحد على هذا بالطبع؛ لكن ألا يدل على أن المصريين بدلا من اللجوء لضمائرهم وعقولهم أصبحوا يعتمدون تماما على من يفكر ويقرر لهم في أمور حياتهم اليومية؛ وبالتالي يسهل اقتيادهم وتوجيههم تحت دعاوى دينية؟

ـ في نهاية مارس 2005 وقعت مصر والسعوديه مذكره تفاهم في مجال الشئون الاسلامية تقضي "بالتعاون في مجال الدعوة وإعداد الدعاه وتأهيلهم والتعريف بالاسلام وسماحته وموقفه من القضايا المعاصره وتبادل الخبرات في مجال تنظيم المساجد وتأهيل الخطباء والأئمه وتحقيق ادائهم لاعمالهم وفق المصالح الشرعية وخدمة القرآن الكريم والسنة النبوية، طباعة ونشرا وترجمة". كما تقضي المذكرة "بتبادل الخبرات والمعلومات والمشاركه في مسابقات حفظ القران الكريم وتجويده‏، وتبادل المعلومات والخبرات في مجال (..) إحياء التراث الاسلامي وإعداد الكتب والأبحاث والدراسات الإسلاميه ونشرها وتبادلها وترجمتها وتوزيعها بين الموسسات الدينيه والثقافيه والتعليميه في البلدين وجمع المخطوطات وحظفها وفهرستها وتحقيقها ونشرها، إبرازا للحضارة الإسلاميه الرائدة"‏.‏

وإذا أخذنا في الاعتبار السمعة الخاصة التي يتمتع بها الإسلام الوهابي في مجالات السماحة والانفتاح إزاء القضايا العصرية، لأدركنا هول ما يحدث للمؤسسة الدينية العريقة في مصر التي كانت ذات يوم رائد الإسلام الوسطي، مما يدفعنا للتساؤل عما يمكن أن يحدث عندما يخلي شيخ الأزهر الحالي مكانه لآخر قد لا يشاركه روح التسامح والاعتدال.

(4)

لن نكرر الكلام عن الدور الخطير الذي لعبه الإعلام الحكومي، الذي يعكس سياسة الدولة وتوجهاتها الرسمية، على مر العقود الماضية في عملية التحول الإسلامي الكبير. لكن نكتفي هنا، كنموذج فقط، بالتنويه بما بثه برنامج ديني يستضيف، كالعادة، أحد "مفكري" التطرف الذي راح يوم الجمعة 9 ديسمبر يصب جام غضبه على دعاة "العلمانية" في مصر ويؤكد أن "الإسلام لا تتم أركانه إلا إذا كان دينا ودولة"، وأن كل التشريع في الدولة يجب أن يتم في إطار "الحلال والحرام".

إذا كان هذا الكلام يعكس توجهات الدولة، فما الفرق بينها وبين جماعة الإخوان "المحظورة"؟؟، ألا يؤكد هذا أن كليهما يطبق نفس المباديء ويسير في نفس الاتجاه: الفرق الوحيد هو شخوص القائمين على الحكم؟

وعلى أي حال، إذا كان مجلس الدولة، فيما يقال، قد حكم بأن "شعار "الإسلام هو الحل" ليس شعارا دينيا، لأنه لا يتناقض مع المادة الثانية من الدستور" (!!)، فما هو الفرق بين المحظورين و "غير المحظورين" إلا كون الأخيرين من المحظوظين؟

 

(5)

الخلاصة هي أنه نتيجة للتحول الإسلامي الكبير الذي جرى بخطوات ثابتة وهادئة طوال ثلث قرن، أصبحت مصر مؤهلة لوصول الإخوان أو استنساخاتهم إلى الحكم بصورة طبيعية، بل "ديموقراطية" (!!) تماما. وبعيدا عن سفسطة خبراء العلوم السياسية فإن نجاح الإخوان ـ في رأيينا ـ يرجع بالتحديد إلى مايلي:

1 ـ الذين أدمنوا العيش تحت تأثير عقاقير الهلوسة يندفعون (كما هو ثابت طبيا) للبحث عن المزيد منها. وفي حالة المواطن المصري الذي تم تشكيله عقليا ونفسيا ـ على يدي النظام الحاكم ـ بالصورة التي نراها عبر ثلاثة عقود؛ أليس من الطبيعي تماما أن يهرب من أفندية الأحزاب المدنية وأن يتجه إلى الأقدر على "الاستجابة لاحتياجاته" وإعطائه المزيد؟ وفي هذه الحالة؛ أيهما سيكون الأقدر على "إشباعه": الحزب الوطني بشعاراته الجوفاء وفساده الذي صار يزكم الأنوف؟ أم الإخوان بتنويعة العقاقير الجاهزة لديهم تحت الماركة التسويقية الجذابة "الإسلام هو الحل" ؟

2ـ إذا كان مشروع "التحول الإسلامي الكبير" قد وصل ـ على يدي النظام الحاكم ـ إلى مرحلة حاسمة تقترب من حلم دولة الخلافة؛ أليس من الطبيعي أن المواطن المصري، الذي رأينا مقدار استسلامه لمن يقودون مقدرات حياته، سيفضل تسليم زمامه لمن هم "أقدر" على قيادة "القافلة"؟

وأخيرا: إذا كان الإخوان قد حصلوا على خُمس مقاعد المجلس بينما لم يكن لهم مرشحون إلا على ثلث المقاعد؛ فلماذا يُستبعد مضاعفة نوابهم ـ على الأقل ـ لو كان لهم مرشحون لكل المقاعد، في انتخابات "حرة" تماما؟ وأكثر من ذلك، فلو أخذنا في الاعتبار النواب "الإخوانيين" فكرا وتوجها، حتى وإن كانوا ـ تنظيميا ـ أعضاء في الحزب الحاكم أو مستقلين؛ فكم ياترى تبلغ نسبة "الإسلاميين" الحقيقية في مجلس الشعب الجديد؟؟؟

***

السؤال هو ما العمل الآن؟

guindya@yahoo.com

 

للتعليق على هذا الموضوع