Middle East Transparent

24 سبتمبر 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

حالة وأحوال الرقابة في سوريا

مداخلة في المؤتمر الدولي عن " حرية التعبير" في مكتبة الاسكندرية

د.عبد الرزاق عيد

 

 

أريد بمداخلتي هذه أن أعرض لحالة الرقابة في سوريا من خلال تجربتي الشخصية معها ، ولعل ما حرضني على ذلك هو الحالة التي أحاطت بكتابة هذه الورقة ، إذ أني تلقيت رسالة مؤرخة 15 يوليو من السيد الأستاذ الدكتور إسماعيل سراج الدين يدعوني فيها للقيام بإعداد دراسة حالة عن حالة الرقابة السورية ، وهي تحدد موعد أقصاه آخر أغسطس لتلقيهم لها ، ثم تلقيت رسالة بتوقيع منتدى الإصلاح العربي تؤكد لي ضرورة وصول المساهمة بموعد أقصاه يوم الخميس 2/9/2004 .

ماذا حدث ؟

لقد وصلتني الدعوة الرئيسة ، وأجبت بالموافقة والترحيب بقبول الدعوة ، لكن طلب المساهمة في الكتابة ، والتأكيد على تاريخها ، لم أجده في البريد حتى يوم 3/9/2004 ، أي بعد التاريخ المحدد من إدارة المنتدى .

وذلك لأن السيد الرقيب - فيما يبدو - لا مانع لديه من سفري ، لكن لم يعجبه أن أشارك بورقة عن الرقابة وحريات التعبير في سوريا ، ولذلك حجب رسالة المنتدى ورئيس المنتدى المتصلة بموضوع الكتابة إلى ما بعد التاريخ المنوه عنه في الرسالة !

وذلك لأننا في سوريا دعاة خصوصية (قومية) عربية لا تتناسب مع القيم العالمية والكونية عن الديموقراطية وحريات التعبير وحقوق الإنسان ، و ذلك لأن خصوصيتنا تتمثل بـ " الرسالة الخالدة " التي تعوم فوق طيات الزمان ، وخصوصية هذه الرسالة الخالدة تتطلب خصوصية ديموقراطية (عربية سورية) غير مستوردة ، وفحوى هذه الديموقراطية الخاصة حسب نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام تتمثل في " خلق مناخ عام يريح الناس ويجعلهم يبحثون عن كيف يساهمون في دعم سياسة الدولة والحزب " . هذا ما قاله ردا على المثقفين الحالمين بربيع دمشق الموؤد منذ ثلاث سنوات !

لنلاحظ كيف يشتغل نظام الخطاب في عقل أحد المساهمين الأساسيين في قيادة الحياة السياسية في سوريا خلال أربعة عقود .

فالحريات ، والمشاركة ، ومساهمة الناس في الشأن العام ، كلها تؤطرها وظيفة واحدة وهي " دعم سياسة الدولة والحزب " ذلك هو لب لباب العقل السياسي الذي حكم سوريا ، ولا يزال يحكمها ، وهو لب لباب هيكلية الممارسة السياسية التي أطرت فعل السلطة في المجتمع على طريق إقصائه ومصادرته ، وذلك من خلال ممارسة خصوصيتنا الديموقراطية القائمة على تحشيد الناس وتجييشهم وراء السياسة الحكيمة للدولة والحزب ، فكما لا غاية للناس سوى عبادة الله دينيا ، فهم لا غاية لهم سوى عبادة السلطة دنيويا .

إن هذه الفلسفة (الديموقراطية) هي التي تفسر لنا شكل ممارسة حريات التعبير في سوريا ، من خلال ثلاث جرائد مركزية تفرض على الدوائر الرسمية فرضا ، وهي متشابهة الصور ، والحروف ، والكلمات ، والعبارات كتشابه الأوراق في الغابات ، فيكفيك تقليب إحداها في دقائق لتغنيك عن مجموعها في الحصول على وجبة نضالية سريعة ، تتفتح لها نوافذ النفس شوقا للانخراط في (حريات المسيرات) لدعم سياسة الدولة والحزب !

اتصل بي صديق قديم استلم ملحقا ثقافيا لإحدى الصحف (الكبريات الثلاث) يدعوني للكتابة ، ومن قبيل حسن النوايا ، واستجابة لبراءة الصديق القديم المتفائل بالإصلاح والتطوير والتحديث ، وردا على اتهام المثقفين السوريين أنهم يكتبون في الصحف العربية الخارجية من أجل (القبض بالدولار) لا لأن هذه الصحف (الثلاثية الكبرى) دون مستوى الكتابة شأنها شأن الحياة السياسية التي هي دون مستولى النقاش ...

كتبت مادة حرصت أن تكون ملساء ، مائية لا طعم لها ولا لون ولا رائحة ، لتتناسب مع التوجهات (الثورية) في الكتابة النضالية القومية المؤسسة على شعار "لاصوت يعلو فوق صوت المعركة" المؤجلة الزمان والمكان الذي ستحدده حكمة القيادة التاريخية ، أي قدمت مقالة ليس فيها أي نتوء لكي لا أحرج صديقي المتحمس لـ(الإصلاح)من الداخل ، فرفضت المادة -مع ذلك- لأن اسمي كان النتوء الأبرز فيها ، وعلى هذه القاعدة الذهبية (قاعدة الاسم الناتئ) راح الرقيب في وزارة الإعلام ووزارة الثقافة والقيادة القطرية واتحاد الكتاب العرب وكل هؤلاء رقباء حسباء على الكاتب السوري الأفقر في العالم راح يرفض أي مخطوط مقدم لموافقة الرقابة دون أن يزعج نفسه بقراءته ،إذ يكفيه اسم (الكاتب الناتيء ) لرفضه بلا هوادة ، وإذا هربنا إلى الواحة اللبنانية التي لم تتصحر بعد ، فإن كتبنا التي تنشر في لبنان لا يسمح لها بالدخول والتداول في سوريا .

في مدينتي حلب تصدر جريدة واحدة وباسم ثوري كاسح (الجماهير) ، تغنينا عن عشرات الصحف التي كانت تصدر في مدينة حلب في الخمسينات : أيام (الرجعية البرجوازية) كما يوصف إعلامنا (الثوري) المراحل الليبرالية الديموقراطية (المستوردة ) في تاريخ سوريا .

لقد كان الحل (ثوريا) بعد انقلاب آذار العسكري عام 1963 (إلغاء الصحافة ما عدا الكبريات الثلاث) ، كان جذريا إلى الحد الذي لا يحتمل (الميوعة الانكشارية العثمانية ) التي كانت قوانين صحافتها تلاحق الكواكبي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر في المدينة ذاتها حلب ، لتغلق له جرائده ، لكن (الميوعة الانكشارية) لهذه القوانين كانت تتيح له -ما أن تغلق له جريدة- حتى يؤسس جريدة أخرى ...!

وفي سنوات الحكم العربي بعد الحرب العالمية الأولى صدرت 55 صحيفة ، واحدة منها رسمية فقط وهي (العاصمة) ، وفي منتصف العشرينات ستضيق مصر الليبرالية على طه حسين أمام الهجمات الرجعية عليه ، فيلجأ إلى حلب ، إلى تلميذ له معجب بالعميد حد الافتتان ، وهو المتنور سامي الكيالي صاحب مجلة (الحديث) لينشر على صفحات مجلته بحثه الشهير "العلم والدين" ، وفي هذا السياق ينبغي أن أشير إلى أن رقابتنا (الثورية العتيدة ) طالبتني بحذف مقاطع من كتابات طه حسين ، وذلك عندما قدمت مخطوط كتاب لي عنه !

بل ولقد كان من الممكن في ظل الانتداب الفرنسي أن تحتج الصحافة 1925 على التضييق وتطالب جريدة القبس :" نحن الصحفيون لا نريد أن تكون صحفنا تحت رحمة الأشخاص مهما كانوا عادلين أحرارا يفهمون حرية النقد وإباحة الكلام ، بل نريد أن يكون القضاء هو الذي يعاقب ويجازي ... "

هذا الاعتراض غدا اليوم مستحيلا ، سيما إذا علمنا أنه لم يعد لدينا في سوريا- قضاء سوى (قضاء الله) وقدره ، وأن قدر(القضاء) ليس أفضل حظا من قدر الصحافة وحريات التعبير ، بعد أن تحزّب وتخرّب وفسد في مستنقع الخصوصية التاريخية العربية التي هي تعريفا "خصوصية الاستبداد " .

منذ أكثر من أربعين سنة بتاريخ 8/3/1963 صدر البلاغ رقم 4 الصادر عن المجلس الوطني لقيادة الثورة ، وينص على إيقاف إصدار صحف في سوريا (عدا الكبريات الثلاث) كما أشرنا ، وهذا البلاغ كان متزامنا مع البلاغ رقم 2 الذي يعلن حالة الطوارئ والأحكام العرفية في البلاد ، وكان من نتائج ذلك ليس فقط ما نراه اليوم من تحول البلاد إلى ممالك للصمت تحت مظلة ثقافة الخوف - تعليق قانون المطبوعات القديم (1949) ، لكن بعد أربعين سنة من عمر بلاغات المجلس الوطني لقيادة الثورة ، سيأتي زمن (الإصلاح) ومن ثم التطوير والتحديث ، والاعتراف بالآخر ، عندها سيصدر قانون مطبوعات في 22أيلول 2001 بالمرسوم التشريعي رقم 50 ، إن أطرف وأظرف ما في هذا القانون هو المادة 12 التي تخول " رئيس مجلس الوزراء حق رفض منح الرخصة (بإصدار مطبوعة دورية ) لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة ، يعود تقديرها إليه " .

وإذا علمنا - والكل يعلم أن منصب رئيس الوزراء في سوريا هو أقل أهمية ونفوذا وفاعلية وتأثيرا من أي رئيس قسم من أقسام التحقيقات الأمنية ، سنعلم عندها ، من الذي يقدر المصلحة العامة في وطني سوريا ؟

وإذا علمنا أن رئيس الوزراء هو الدريئة المتاحة لتنفيس احتقان وغضب الشعب السوري بالشتائم أو بالنكات ، بوصفه مديرا لتوازن مصالح الطغم اللصقراطية ، إذ يمكن التضحية به ، وتقديمه كقربان في أي وقت كان ، وهو قربان لا يرتقي إلى مستوى كبش الفداء ، بل خروف النذور والغباء .. .

إذا علمنا كل ذلك ،عندها سنعلم من الذي يستطيع أن يخرس الخلق ، ومن هو القادر على إرسالهم للجحيم ، إذا تفوهوا بكلمة صدق ، ومن الذي يستطيع أن يضع كعب ( حذائه أو بسطاره أو بوطه) في فم الخلق لكي لا يتداعوا إلى الحق على حد تعبير الكواكبي .

إنها القوى الخفية الغامضة التي تقضم بأسنانها التمساحية المال والأعمال والرجال ، والكل يعرف لماذا اعتقل ناشطوا المجتمع المدني العشرة الأفاضل ، وفي مقدمتهم الخبير الاقتصادي زميلنا في تأسيس لجان إحياء المجتمع المدني الدكتور عارف دليلة ، ونائب دمشق رجل الأعمال رياض سيف الذي شلحوه وأفلسوه وحبسوه ، والنائب مأمون حمصي ومجموع الناشطين الآخرين في المنتديات ولجان حقوق الانسان كالدكتور وليد البني والدكتور كمال لبواني والأستاذ القانوني الناطق باسم منتدى جمال الأتاسي حبيب عيسى ، وفواز التللو و حبيب صالح ...الخ ، تحت تهم يمكن أن تطال كل أفراد المجتمع السوري ، وفق ما نصت عليها المادة 51 من قانون المطبوعات السيء الذكر الصادر في زمن الإصلاح والتحديث : مثل "نقل أخبار كاذبة" ، طبعا ليس هناك في المناخات المعتمة للأنظمة الشمولية أي خبر صحيح ، وذلك_ ببساطة_ بسبب غياب العلنية وانعدام الشفافية ... أو مثل التهمة تحت صيغة "مس الوحدة الوطنية" ، رغم التخريب المنظم والممنهج للوحدة الوطنية عبر الممارسات السلطوية الفئوية ، فإن ما يمس الوحدة الوطنية تحت السقف الشمولي - لا يتصل إلا بحرية التعبير ، فهي الوحيدة المهددة لوحدة الأوطان في قاموس مافيات (الإقطاع العام) وأصحاب العزب والأطيان ؟! أو مثل بند " النيل من هيبة الدولة أو المس من كرامتها" ، رغم أن النظام الشمولي لا علاقة له بالدولة وحقل مفاهيمها التداولي ، فهو ببساطة قوة سلطة عارية غاشمة ، قروسطية ، لا علاقة لها بمفهوم الدولة الحديثة ، بعد أن انحطت هذه النظم بهذه الدولة إلى مستوى النظام المملوكي والعثماني ...إلخ

في هذه الفضاءات ينبغي أن يمارس المثقف السوري حرية التعبير والتفكير ، فلا يجد ملاذا من الرقابة والحصار سوى صحافة الجار الأصغر لبنان (الاستثناء الديموقراطي) عربيا ، في العالم العربي (الاستثناء الديكتاتوري ) عالميا ، ولذلك ، فقد تعودنا أن نضع دائما ما نسميه (حقيبة الاعتقال) جاهزة ، بعد استدعاءات كثيرة ، والإجابة كتابة لدى إحدى الجهات الأمنية على خمسة عشر سؤالا ، كان أكثرها طرافة ، مطالبتهم لنا أن نفسر لهم جملة وردت في إحدى مقالاتنا في جريدة النهار اللبنانية تقول :" إن النخبة التي تحكم سوريا ، مؤلفة من تحالف رعاع الريف وحثالات المدن ، وهي تؤسس علاقتها مع العالم تأسيسا حسيا ، عبر القضيب ... الخ " فاستاؤوا من التعبير الأخير بوصفه قلة أدب!؟

ولعل التعبير الأبرز عن درجة الحضور الثقيل للرقابة على المستوى الشخصي والوطني ، وهو إحالتنا للمثول أمام القاضي الفرد العسكري ، في 1/6/2004 ، بتهمة قدح إدارة عامة وهيئة منظمة ، وقد ضم الملف مقالين نشرا في جريدة النهار اللبنانية بتاريخ 24/2/2001 ، 21/3/2001 وكان قد ألقي محاضرة في منتدى جمال الأتاسي المنتدى غير الرسمي الوحيد في سوريا 11/3/2001 كما نشرته أسبوعية أخبار الأدب المصرية ، والحياة اللندنية .

بالإضافة إلى شهادة كنا أدلينا بها في قضية الـ14 ناشطا تحت صيغة المجتمع المدني الذين أحيلوا أيضا للمحكمة العسكرية تحت تهمة نية حضور محاضرة ، عن قانون الطوارئ والأحكام العرفية في سوريا ، لذلك بـ"الأظناء الـ14"

لقد حكمت المحكمة العسكرية ببراءتنا ، لأن المقالين منشوران عام 2001 ، وعلى هذا فإن الفعل قد شمله قانون العفو العام لقدمه ...

لكن المهم بالنسبة للمحكمة العسكرية أنها قد أوصلت رسالة ، أننا برئنا بسبب قدم المقالات وشمولها بالعفو لا بسبب تبريء مضمونها ، فهذا يعني أننا إذا كتبنا بالروح النقدي ذاته فإننا سنحاكم ونحكم .

لقد كان بإمكان الإدعاء أن يختار مقالات ما بعد قرار العفو ، وهي لا تختلف نوعيا عن المقالات التي اختارها كموضوع للإدانة .

الغاية إذن كانت التهديد ، لأنه فيما يبدو أنهم بعد اعتقالات العشرة الفضلاء وتداعيات ذلك ، راحوا يعتبرون أن السجن صار أكثر كلفة لهم من مردوده .

سنرفق هذه المداخلة السريعة ، بالمطالعة التي قدمها الادعاء العسكري للمقالين لطرافة هذه المطالعة الأمنية ، وسنحاول أن نوفر عند حضورنا نصوص المقالين المذكورين وتحت سطورها الخطوط والملاحظات الاستهجانية .

المطالعة العسكرية 1

المطالعة العسكرية صفحة 2

 

للتعليق على هذا الموضوع